السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
187
مفاتيح الأصول
فصار الحاصل أنه يجب أن يبحث عن الكيفيّات الَّتي يصير الدّلالة بسببها معتبرة وتصلح للتّعويل عليها لأنا نقول هذا الكلام بعد التلخيص وتسليمه يرجع إلى ما ذكره بقوله وقد شاع أيضا إلى آخره وظاهر كلامه أنه وجه آخر بعد الوجه الأوّل انتهى ومنها تضمن جملة من العبارات دعوى الإجماع على لزوم الفحص ففي المختصر يمتنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص إجماعا وفي الإحكام لا نعرف خلافا بين الأصوليين في امتناع العمل بموجب اللفظ العام قبل الفحص عن المخصّص وعدم الظفر به وفي شرح الشرح قال الغزالي لا خلاف في أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن المخصّص لأن شرط دلالة العام انتفاء المخصص وكذا كلّ دليل يمكن أن يكون له معارض فهو إنما يكون دليلا بشرط السّلامة عن المعارض فلا بد من معرفة الشرط انتهى ويعضد ذلك الشهرة العظيمة المحققة والمحكية الَّتي لا يبعد معها دعوى شذوذ المخالف بل قد يمنع من وجوده عدا الفاضل الشيرواني وأمّا الجماعة الَّتي تقدم إليها الإشارة ففي الحكم بمخالفتهم إشكال أما الصّيرفي فلما سيأتي إليه من الإشارة من تنزيل كلامه على غير محلّ البحث وأما العلامة فلأن الظاهر أنه لم يقل ما يدل على مصيره إلى القول الثاني سوى قوله في التهذيب ولا يجب في الاستدلال بالعام استقصاء البحث في طلب المخصص وإلا لما جاز التمسك بالحقيقة إلا بعد الاستقصاء في طلب المجاز فإن هذه العبارة ربما كانت ظاهرة في ذلك كما أشار إليه في المعالم فإنه قال بعد الإشارة إلى ما تمسّك به وهو كالصّريح في موافقة هذا القائل أي القائل بجواز التّمسّك بالعام قبل البحث عن المخصّص انتهى ولكن الإنصاف أن العبارة المذكورة ليس فيها دلالة على ذلك كما أشار إليه في المعالم أيضا بقوله فتأمل بعد ما حكيناه عنه سابقا قال الفاضل الشيرواني في حاشية المعالم قال في الحاشية الأمر بالتأمل إشارة إلى احتمال كون الاستدلال على عدم وجوب تحصيل القطع بانتفاء المخصّص لأنه لو كان شرطا لكان حمل اللفظ على حقيقته مشروطا بالقطع بانتفاء المجاز وقد يظن ترجيح هذا الاحتمال باعتبار إدراج لفظ الاستقصاء في العبارة وليس بشيء لأنّه في النهاية اكتفي بالظَّنّ مع أنه ذكر الاستقصاء وقرب وجوبه انتهى هذا ويؤيّد ما ذكر أن السيّد عميد الدّين لم ينسب الخلاف إلى العلامة في المسألة وكذلك معظم من تأخّر عنه وأما صاحب المنهاج فلأنه لم يشتهر حكاية القول المذكور عنه فتأمل نعم قد يناقش في الحجة المذكور بأن الإجماعات المحكية من العامة ليست بحجّة ولم يتحقق دعوى إجماع من الخاصة إلا أن يقال أن الاشتهار بينهم بنفسه حجة ولكن فيه إشكال ومنها ما تمسّك به في النهاية فقال ولأن العام بتقدير قيام المخصص لا يكون حجّة في صورة التخصيص فقيل البحث عن وجود المخصص يجوز أن يكون العام حجة ويجوز أن لا يكون والأصل عدم كون حجة لا يقال ظن كونه حجّة أقوى من ظن كونه غير حجة لأن إجزاءه على العموم أولى من حمله على التخصيص ولما ظهر هذا القدر من التفاوت كفي ذلك في ثبوت الظن لأنا نقول نمنع من قوة ظن كونه حجة وإنما يحصل ذلك مع ظن عدم المخصص وهو إنما يحصل بعد البحث فيه ومنها أن العمومات لا تفيد العلم بالأحكام الشّرعية بل غايتها الظن فالأصل أن لا يكون حجة للعمومات المانعة عن العمل بالظن وبغير العلم خرج منها صورة الفحص والبحث بالدّليل ولا دليل على خروج المفروض عنها فيبقى مندرجا لا يقال العمومات تفيد الظن وقد ثبت جواز العمل بالظن للمجتهد وتخصيصه بما بعد الفحص يحتاج إلى دليل لأنا نقول لم يقم دليل على حجّية ظنه مطلقا وإنما القدر الثّابت مما دل على حجيّته من الإجماع والعقل حجّية ظنه بعد الفحص لا مطلقا فيجب الرجوع في الظن قبل البحث إلى أصالة حرمة العمل به المسلمة عند الكل كما هو الظاهر ومنها أن الأصل عدم جواز الإفتاء والحكم وصحة تقليده والإتيان بالعبادات والمعاملات والإيقاعات والسّياسات ونحو ذلك خرج منه صورة الفحص ولا دليل على خروج محلّ البحث فيبقى مندرجا تحته ومنها أن العمل بالعام مستلزم لاختلال أمر الدين والهرج والمرج ومخالفة لإجماع المسلمين أو المؤمنين وذلك لأن من جملة العمومات خلق لكم ما في الأرض جميعا وأحلّ لكم الطَّيبات وأوفوا بالعقود والمؤمنون عند شروطهم والعمل بظاهرها من غير بحث عن المخصّص مستلزم لذلك وهو باطل قطعا وقد أشار إلى ذلك جدي رحمه الله ومنها أنا نعلم قبل البحث عن المخصّص بأن أكثر العمومات قد طرأها التخصيص وإن لم تعلم المخصّص بعينه وفي كلّ موضع يراد العمل بها فيه يحتمل كونه مخصّصا ويصير تلك العمومات المذكورة كالعام المخصّص بالمجمل فكما لا يجوز العمل بالعام المخصص بالمجمل فكذا هذه العمومات لاتحاد الدّليل وكما أن أصالة عدم التخصيص لا يلتفت إليها في العام المخصّص بالمجمل فكذا هنا فأصالة عدم التخصيص هنا غير مجدية كما أشار إليه في الزبدة وشرحها لجدي رحمه الله فإن أصالة عدم الشيء لا يوجب ظنه لجواز أن يكون وجوده أغلب من عدمه فيحصل الظنّ به وإن كان خلاف الأصل لوجوب